محمود ترابي

كتابةٌ تعبر الأدب والفكر والأسطورة وما يجاورها.

كيف أكتب ومن أين أستقي

لا تأتي الثقة من نبرة واثقة، بل من أن يعرف القارئ ما الذي يقرأه، ومن أين جاءت المعلومة، وأين ينتهي الدليل ويبدأ رأيي أنا. وهذه الصفحة تُمثل منهجي الحالي في القراءة والكتابة، وقد يتطور مع الزمن.

أبدأ من سؤال لا من نتيجة

قد تكون لديّ فرضية أو موقف، لكنني أحاول ألا أجعل البحث رحلةً للعثور على ما يوافقني وحده. أكتب السؤال أولاً، ثم أجمع ما قد يزعج إجابتي بقدر ما أجمع ما يدعمها. وإذا بقي الخلاف قائماً بعد مراجعة المصادر، أُظهره بدل أن أدفنه في هامش.

أفصل بين ثلاثة أنواع من الكلام

المعلومة القابلة للتحقق تُنسب إلى مصدرها. والتحليل يشرح كيف أفهم هذه المعلومة وما صلتها بغيرها. والرأي يُعبر عن حكمي أنا، ولا يتخفى في صيغة حقيقة عامة. أمّا في النصوص الأدبية فتتغير القاعدة: التجربة وصوت الراوي هما المركز، ولا يُطلب من المجاز أن يؤدي وظيفة الإحصاء.

من أين أستقي؟

أُفضّل المصدر الأول كلما أمكن: النص الأصلي، والكتاب، والحكم أو التشريع، والبحث العلمي، والوثيقة، والتصريح الكامل. وأستعين بالمصادر الثانوية لفهم السياق ومقارنة القراءات، وأتعامل بحذر مع المُلخصات والمنشورات المقتطعة. ويكيبيديا نقطة بداية جيدة أحياناً، لكنها ليست نهاية البحث.

حين يكون الموضوع متغيراً، أنظر إلى تاريخ المصدر وتاريخ الواقعة معاً. وحين أنقل رقماً أو مصطلحاً، أبحث عن تعريفه وطريقة قياسه لا عن الرقم أو المصطلح وحده. وحين أقتبس، أراجع السياق وأكتفي بالقدر الذي تحتاجه الحجة.

ولا أُخفي أنني أستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي في العصف الذهني، وفي البحث وجمع المصادر وترتيب الأفكار قبل الكتابة. لكنني لا أتعامل مع ما تُخرجه هذه الأدوات باعتباره حقيقة نهائية؛ هو خيط أوّلي أتتبعه لا أكثر. أراجع كل معلومة وأتحقق منها مرة بعد مرة، بأكثر من أداة وأكثر من مصدر، وفي مقدمتها محركات البحث والمراجع الأصلية نفسها.

كيف أتعامل مع الدين والأسطورة والتاريخ؟

أُفرِّق بين ما يقوله النص عن نفسه، وما تقوله المؤسسة التي تبنّته، وما يقوله الباحثون عنه. لا أتعامل مع الجماعات ككتلة واحدة، ولا أنسب رأياً إلى «الإسلام» أو «المسيحية» أو «العلم» أو «الحضارة» إن كان في الحقيقة رأي مدرسة أو مؤلف أو دراسة بعينها. وفي التاريخ لا أُحوّل غياب الدليل إلى دليل غياب دون حجة.

لا أقرأ الأسطورة بوصفها «كذبة قديمة» أو «مخيالا بدائي»، بل نصاً يصنع معنىً ويكشف بنية في الخيال الجمعي. وأنظر إليها كذلك على أنها محاولة الإنسان القديم الأولى لتنظيم مجتمعه، ولصياغة منظومة القيم والعقيدة الاجتماعية الأولى وفق ما رآه أولوية آنذاك، بناءً على ما عاشه وما خاضه في زمنه.

التصحيح والتحديث

النصوص هنا حية لا جامدة؛ أعود إليها بين حينٍ وآخر وأُعدِّل فيها. وإن عدَّلت شيئاً يمسُّ الفهم أو يغير من النص جوهرياً، أُثبّت ذلك في حاشية النص مع الصيغة القديمة وسبب التعديل. وإن وجدتَ عزيز القارئ ما يستحق التصحيح، فراسلني من هنا.

في النهاية، كل ما سبق ليس ادّعاءً بالكمال، بل طريقةٌ في العمل تجعل الخطأ قابلاً للاكتشاف والإصلاح، وتترك للقارئ باباً مفتوحاً ليختبر النص معي، لا أن يُطلب منه أن يُصدق النبرة وحدها.