في رسالة إلى صديقه أوسكار بولاك، كتب كافكا أننا نحتاج من الكتب ما ينزل علينا كالصاعقة فيؤلمنا، ما يشبه موت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، ما يجعلنا نشعر أننا طُردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس. ثم كتب «التحول»، فجاء كتاباً من هذا الطراز على نحو لم يكن متوقعاً: صاعقته لا ترعد، تقع في السطر الأول ثم تمضي، ويستأنف النص بعدها نبرة إدارية باردة كأن شيئاً لم يقع.
والقرار الذي تقوم عليه الرواية كلها هو الامتناع عن التعليل، يستيقظ غريغور سامسا هامةً ضخمة، ولا يُصرف بعد ذلك حرف واحد إلى السبب: لا حكاية أصل، ولا لعنة، ولا ذنب سابق يوازن العقوبة، وبهذا الامتناع يُزاح السؤال من موضعه المألوف؛ كيف صار الرجل حشرةً سؤال لا يعني النص في شيء، والذي يعنيه ما يفعله العالم برجل تعطل دوره فيه.
من السهل أن يصير هذا الجسد مفتاحاً واحداً يفتح باباً واحداً: الاختلاف عن القطيع، أو المرض، أو الحاجة التي تضع الإنسان تحت رحمة الآخرين، أو النبذ حين تختل المنفعة. والنص يحتمل هذا كله، ويقبل الإسقاط على العقائدي والاجتماعي والسياسي والأسري والعاطفي. وقوته أن الرمز يتسع لهذه القراءات ولا يستقر في واحدة منها؛ كلما أغلقتَ عليه معنى تسرب من تحت الباب.
وما تكشفه الرواية قبل ذلك كله أن قيمة الإنسان في محيطه الأقرب كانت مشروطة ولم ينطق أحد بشروطها. كان غريغور جسداً عاملاً قبل أن يكون ابناً وأخاً، يسدد ديناً ليس دينه ويقيس عمره بمواعيد القطارات. وحين يعجز عن أداء وظيفته يظهر البند الخفي في العقد: المحبة قائمة ما دام قادراً على الدفع والخدمة والتنازل. هنا تصير الحشرة صورة لما يحدث حين لا يعود الإنسان قابلاً للإدماج في النظام الذي اعتاد استعماله.
والقسوة التي تعقب ذلك لا تحتاج إلى خطبة ولا إلى قرار معلن. تجري بأدوات البيت نفسها، بترتيب الغرف ومواعيد الطعام ونبرات الأصوات خلف باب مغلق، فينكمش مكان الإنسان في حياة أهله انكماشاً لا يلاحظه أحد وهو يقع، ويُدار وجوده بوصفه عبئاً يُقتصد في نفقته.
والمفارقة التي تجعل الكتاب موجعاً أن غريغور لا يعلن تمرداً ولا يطالب بحق. يظل قلقاً على عمله وعلى أهله بعد أن فقد لغته البشرية، ويلوم نفسه على تعطيل الجميع، ويتدبر كيف يخفف عنهم ثقله. يحمل منطق الطاعة في داخله بينما توقف جسده عن خدمته، فالمنبوذ هنا مطيع فقد أهليته للطاعة، وهذا أشد وقعاً من نبذ متمرد اختار خروجه.
وقد يقال إن قراءة الرواية محاكمةً لأسرة قاسية تظلم النص وتظلم الأسرة معاً؛ فالبيت كله مطحون في الآلة التي طحنت غريغور، والفرق أن سائر أفراده ما زالوا صالحين للدوران فيها.
على أن هذا الاعتراض لا يبطل الحكم، وإنما يعقده. الأسرة ليست شريرة، وهذا أقسى ما في الأمر: القسوة لا تحتاج إلى أشرار، يكفي أن تصير المحبة بنداً في ميزانية. الرواية تتحدث عن اقتصاد المحبة حين تصبح المنفعة شرطها الخفي، وعن اللحظة التي تنقلب فيها الشفقة من عزاء إلى عذاب لأنها صارت تكلفة تُحسب.
ولهذا يظل الكتاب بلا عزاء يقدمه، ويترك سؤالاً لا يخص غريغور وحده: كم من المحبة حولنا معلق بشرط لم يُنطق به، وماذا يبقى منها لو توقفنا غداً عن الأداء؟

أضف تعليقاً