حُفظت المراجعة القديمة كما نُشرت أول مرة، وأُضيفت قبلها «قراءة ثانية بعد سنوات» توسّع الحكم وتفصل الانطباع الأول عن تحليل البناء.
قراءة ثانية – 9 آب 2026
عدتُ إلى الكتاب بعد سنوات، وقرأتُه هذه المرة على مهل، لا مدفوعاً بحماسة العنوان وحده. والعنوان ما يزال أفضل ما فيه؛ شطرٌ اقتطعه سروري من بيتٍ لأبي العلاء في لزومياته1، وجعله مشروعاً لكتابٍ في سبعة محاور. غير أن الشعار في موضعه عند المعري كان خاتمةَ شكٍّ طويل، وهو عند سروري مقدمة ومنطلق. الفرق بين الموضعين ليس صغيراً، وسأعود إليه.
أول ما يتغير في القراءة الثانية هو الإحساس بطبيعة الكتاب، وهنا أشرح مراجعتي الأولى من حيث أن الكتاب ليس أطروحةً واحدة تُبنى على مهل، بل مقالات كُتبت في مناسبات متفرقة لصُحفٍ ومجلات، ثم جُمعت في كتاب واحد، وهذا يفسر قوّته وضعفه معاً. فتكمن قوّته في أن كل فصلٍ مصمم ليصل إلى قارئ صحيفة في جلسة واحدة، فهو مُحكم الافتتاح، سريع الأثر. وضعفه أن الفصول لا يعرف بعضها بعضاً؛ فكرة «ثقافة نَعَم» في مقابل «ثقافة لا» تُقدم ثلاث مرات كأنها تُقدم أول مرة، وفصل اللغة العربية في الزمن الرقمي يكاد يُعاد بنصه في الفصل الذي يليه، وبيت الفرزدق «ما قال لا قطُّ إلا في تشهُّده» يمر مرتين في صفحات متقاربة. كنت في المرة الأولى ألتمس للكاتب عذراً في ذلك؛ وما زلت ألتمسه، لكني صرت أرى أن العذر يخص المؤلف ولا يخص الكتاب، وأن تحريراً أشد كان سيصنع مساراً أوضح.
أما الفكرة المركزية، حين تُجرَّد من التكرار، فبسيطة وجديرة بأن تُناقش: أن عطب التعليم العربي ليس في بنائه الفوقي، أي المقررات المترجمة عن الغرب، بل في أرضيته. نستورد السمك ولا نتعلم الصيد، ولا نقدر على تعلمه لأن المدرسة تُدرب على القبول لا على طلب البرهان. ويضع سروري مفتاح العلاج عند ابن رشد: الفصل بين «العلوم الشريفة» و«العلوم الصنعية»، بين ما يُطلب فيه الإيمان وما يُطلب فيه الدليل. وهي فكرة تتكرر في المحاور السبعة بصيغٍ شتى، حتى ليبدو الكتاب كله شرحاً لها: فصلُ الدين عن المدرسة في محور التعليم، وفصل السلطات في محور العلمانية، وفصل التاريخ عن الأسطورة في محور الدين.
وأقوى فصول الكتاب في نظري هما الفصلان المخصصان لرسالة الغفران؛ هناك يقرأ سروري رحلة ابن القارح بوصفها تطبيقاً لمنهج «البرهان عبر المحال»2؛ يفترض أبو العلاء صحة التصور الشائع عن الآخرة، ثم يدفعه إلى أقصاه حتى ينهار من داخله: ثمرةٌ تُكسَر فتخرج منها حوريةٌ تقول إنها بُشِّرت بلقاء ابن القارح قبل خلق الدنيا بأربعة آلاف عام، وحوريةٌ تُعدَّل مقاييسُ جسدها بين سجدتين، وإوزّةٌ تُطبَخ في نسخٍ متكرّرة لكل صحن ثم تعود عظامها إلى نسختها الأولى. وينتهي سروري إلى ملاحظةٍ تبقى في الذهن: أن شعراء الجنة نسوا شِعرهم وشعراء الجحيم يتذكرونه، فالجنة في الرواية مقبرةُ الذاكرة، والجحيم وطن المبدعين. هنا يشتغل الكتاب بصبر، ويبرهن بدل أن يسخر، ويترك القارئ يستنتج بنفسه.
وما بدا لي في المرة الأولى جرأةً واحدة، أراه اليوم جرأتين مختلفتَي القيمة؛ فحين يعرض أسئلة النقد التاريخي للنصوص – الفرق بين مسعى الفقيه ومسعى المؤرخ، وتأخُر تدوين السيرة قرنين، ومسألة نسخة مصحف صنعاء3 – فهو يفتح باباً يستحق أن يُفتح، ويحيل على مراجع، ويصوغ أسئلته أسئلةً لا أحكاماً. وحين يعيد سرد قصة سليمان وبلقيس بلغةٍ ساخرة عن «مناقصة العفاريت» و«ساقَي البقرة»، فالسخرية تُسلّي القارئ الموافق ولا تزحزح المخالف قيد أنملة، بل تعفي الكاتبَ من عبء البرهان الذي جعله شعار كتابه. الكتاب أقوى حين يُطالب بالدليل، وأضعف حين يستبدل بالدليل نبرةً عالية.
أما ما جاء في فصل «اللغة العربية في الزمن الرقمي»، حيث يعدد ست فجائع، منها غياب قارئٍ ضوئي عربي، وغياب مدونة لغوية، وضعف الترجمة الآلية. فإن أكثر هذه الفجائع عولج تقنياً بعد الكتاب بسنواتٍ قليلة، دون مشروع قومي ولا مسابقات لجامعة الدول العربية، بل بحكم تطور عام في أدوات التعرف على الحروف والترجمة. أما الفجيعة التي لم تكن تقنية أصلاً فبقيت على حالها: أننا نستهلك المعارف بالعربية ولا نصنعها بها.
وإنصافاً للكتاب، ثمة ما يُقال في الجهة الأخرى. تلك السخريةُ نفسها التي أخذتُها عليه، وعددتُها بديلاً عن الدليل، هي التي جعلتني أُنهي الكتاب في المرة الأولى ولا أتركه؛ وقارئ مدرَّبٌ على «نعم» قد لا يُصغي أصلاً ما لم يُصدَم. ثم إن التكرار الذي يُثقل الكتاب كان في الأصل خدمةً لقارئ الصحيفة الذي لا يقرأ إلا مقالاً واحداً. ما آخذه على الكتاب بخصوص التكرار، هو في الحقيقة مأخوذٌ على قرار جمعِه.
لهذا أُصحح ما ختمتُ به المراجعة الأولى، قلتُ يومها «علموه لأطفالكم»، وأراه اليوم كتاباً يُناقَش لا يُلقن. أن نقرأ الفصل، ونسأل عن دليله، ونبحث عن أقوى اعتراضٍ عليه؛ وأن نفعل ذلك بالكتاب نفسه أولاً. فمن رفع شعار «لا إمام سوى العقل» أولى الناس بألا يُتخذ إماماً.
القراءة الأولى – 4 كانون الثاني 2019
عظيمٌ هذا الكتاب، يلفتُ انتباهك منذ اللحظة الأولى، يكفي أن المؤلف استخدم جملة لا تفارق ذهني أبداً عنواناً للكتاب، ألا وهي «لا إمام سوى العقل» الجملة الشهيرة لفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة العظيم أبو العلاء المعري.
ومن خلال تصفح فهرست الكتاب، أقول وبكل فخر أن الكاتب نجح تماماً في اقناعي بقراءة كتابه، حيث عنوان الكتاب أولاً ومن ثم العناوين الفرعية اللافتة جداً للنظر.
بصدقٍ، يكاد يكون هذا الكتاب واحداً من أكثر الكتب التي «فشَّت خلقي» طيلة حياتي، ولا أخفيكم القول أن حبيب سروري بارعٌ في إيصال الأفكار والتأكيد عليها، كما أنه جريء جداً في الطرح الذي يقدمه في هذا الكتاب. وبالرغم من أنه كرر بعض المواضيع خلال العناوين الفرعية لفصول الكتاب، ولكن أجد له عذراً كون هذا الكتاب عبارة عن تجميع لعدة مقالات سبق له أن نشرها.
أخيراً، على من أراد أن يستفز عقله قليلاً سواء من الناحية الدينية أو السياسية أو الفكرية والثقافية ….إلخ؛ أن يقرأ هذا الكتاب. ودعوني أتجرأ وأقول علموه لأطفالكم؛ لعلهم يكتسبون مَلَكَةَ العقل النقدي الي يشك ويقدس كلمة “لا” عوضاً عن الإنسياق الأعمى وراء “نعم” التي تقتل كل طموح وكل فكرة وكل سعي إلى المعرفة.
نص المراجعة كما نُشر على جودريدز
- البيت من لزوميات أبي العلاء المعري: «يَرتجي الناسُ أن يقومَ إمامٌ / ناطقٌ في الكتيبةِ الخرساءِ / كذبَ الظنُّ لا إمامَ سوى العقـ / ـلِ مشيراً في صبحهِ والمساءِ». وقد أورده سروري في فصل «الجنّة والجحيم في ملكوت رسالة الغفران». ↩︎
- البرهان بالمحال (reductio ad absurdum): طريقة في المنطق والرياضيات يُفترض فيها نقيضُ المطلوب، ثم يُبين أن هذا الافتراض يفضي إلى تناقض أو محال، فيثبت المطلوب. ويُسمى أيضا البرهان بالخُلف أو البرهان بالتناقض. ↩︎
- يشير سروري إلى «نسخة مصحف صنعاء»، وهي أوراق قرآنية عُثر عليها في سقف الجامع الكبير بصنعاء سنة 1972، وإلى أبحاث فريق جيرد بوين الألماني حولها. والمسألة أكثر تعقيداً مما يوحي به عرضُ الفصل، فالدراسات اللاحقة على الطبقة السفلى من الطرس/المخطوط تتفاوت في تقدير مدى اختلافها عن النص المتداول، ولم يستقر الأمر على نتيجة واحدة. ↩︎

أضف تعليقاً