عن الملحد الذي لم يحضر الحوار
الاعتراض الأول على هذا الكتاب في أن عنوانه يَعِد بمُحاور لا يظهر في الصفحات. الصديق في الكتاب صديق متخيَّل، ومن يتخيل خصمه يختار له اعتراضاته. لذلك تأتي الأسئلة في أغلبها شبهات تدور داخل التصور الديني نفسه: العدل والشر والقدر وحرية الإنسان، وهي أسئلة تفترض الإله قائماً ثم تناقش تدبيره، أما الأرض التي يقف عليها الملحد فتبقى خارج الحوار.
ومن هنا تنشأ الفجوة؛ سؤال يُطرح بلغة العلم، وجواب يُقال بلغة الإيمان، فالعلم يصف آلية ويُرجّح نموذجاً ويحتمل أن يُراجَع غداً، ولا ينتقل وحده من الوصف إلى حكم في الغاية والمعنى، وحين يُستعمل خبر علمي برهاناً سريعاً على نتيجة ميتافيزيقية يخسر النص مرتين: مرةً مخاطَبَه الذي لا يقبل القفزة، ومرةً مؤمنه الذي عُلّق يقينه بمعلومة قابلة للسقوط.
على أن للكتاب دفاعاً لا ينبغي إهماله، ربما كان مخاطَبَه الحقيقي مؤمناً داخله شك وأراد من يطمئنه، وبهذا المقياس ينجح الكتاب: لغته حوارية دافئة، وقد نقل موضوعات كانت تُتداول همساً إلى صفحة تُقرأ بلا حرج. غير أن هذا الدفاع يُسلِّم بالتهمة من حيث أراد ردّها، فالمخاطَب على الغلاف غير المخاطَب في المتن.
القراءة الأنسب للكتاب اليوم قراءة المؤرخ: ماذا كان القارئ العربي يسأل في تلك السنوات، وكيف حاولت الكتابة الدينية الشعبية أن تستوعب العلم والإلحاد بأدوات الوعظ. من هذه الزاوية يستعيد الكتاب قيمته وثيقةً على حال وعي ومرحلة.

أضف تعليقاً