محمود ترابي

كتابةٌ تعبر الأدب والفكر والأسطورة وما يجاورها.

مراجعة كتاب: جلجامش – طه باقر

حجم النص
غلاف بصري لمراجعة كتاب ملحمة جلجامش لطه باقر، بتصميم يحاكي رقيماً طينياً من بلاد الرافدين

بعد فراس السواح، عدتُ إلى الأصل. فطه باقر هو اليد الأولى التي انتشلت هذه الملحمة من الطين ووضعتها في يد القارئ العربي، وقراءته بعد قراءة غيره أشبه بالعودة من النهر إلى النبع. وقد تناولتُ هذه الرؤية بتفصيلٍ أوسع في مراجعتي لكتاب «ملحمة جلجامش» لفراس السواح.

ومُنذ العنوان تعرف أين يقف الرجل: لم يُسمّها “ملحمة” وحسب، بل “أوديسة العراق الخالدة”، في هذه الكلمة كل مشروعه؛ فهو لا يقرأ النصَ وثيقةً فلسفيةً عن الإنسان، بل أثراً حضارياً وقوميّ، باعتبارها أقدمُ ملحمةٍ بطوليةٍ وأطولها وأكملها عرفها تاريخ الأدب، سبقت هوميروس بأكثر من ألفٍ وخمسمائة عام. يلاحظ القارئ أن همَّ باقر الأول في هذا الكتاب أن يُثبت أن أدب وادي الرافدين هو أقدم أدبٍ مدوّنٍ عرفه العالم، وأنه يقف بين شوامخ الأدب العالمية لا دونها. وهو همٌّ أحمله أنا أيضاً وأُكده كلياً.

وهذا يكشف الفرق الأعمق بين الرجلين: طه باقر عالم آثارٍ ولغاتٍ قديمة قبل كل شيء، أما السواح فمؤوِّلٌ وفيلسوف أساطير. باقر يؤسس النص، والسواح يقرأ ما تحته. تفتح كتاب باقر فتجده يمسك بيدك عبر الألواح: كيف اكتُشفت، ومِن هرمز رَسّام إلى جورج سمث، وكيف تعدّدت النسخ من نينوى إلى سلطان تبه، وما أصولها السومرية وما صياغتها الأكادية، بل يحلل لك اسم “جلجامش” نفسه في صيغه المختلفة، ويبحث في تاريخية الرجل كملكٍ من سلالة الوركاء الأولى، ويقارن طوفانه بطوفان التوراة، ويتتبع أثره في هوميروس وهرقل وذي القرنين ولقمان. إنه صبر العالم ووقاره وحواشيه الكثيفة؛ رجلٌ يقيم الدليل قبل أن يطلق المعنى.

أما تأويله للملحمة فيدور على “مشكلة الحياة والموت والخلود”، ويُسميها المسألة الأخلاقية الكبرى التي شغلت الإنسان منذ أقدم العهود. لكن نبرته هنا تراجيدية أكثر منها احتفالية: يرى في الملحمة تمثيلاً لصراع أزليّ لا يُحسم بين إرادة الإنسان في البقاء وحقيقة الموت البديهية. ويطرح ثلاثة دروبٍ أمام الفرد: أيهرب من الحياة ويرفض العالم كما في الرهبنة؟ أم يسلك سبيل اللذة كما نصحته صاحبة الحانة سيدوري؟ أم يتقبل قانون الحياة ويضبط النفس ويقوم بالأعمال التي تخلّده؟ ويقول إن جلجامش اختار الثالث، لكنه – وهنا الكلمة المفتاح عند باقر – عاد “يائساً” من مغامرته، ولم يبقَ له من عزاءٍ إلا أن “الذِكر للإنسان عمرٌ ثانٍ.”

وهنا يفترق الرجلان افتراقاً حاداً؛ باقر يبقى مع التراجيديا، ويجعل العزاء في خلود الذكر الفردي، في الاسم والبطولة التي يتذكرها الناس. أما السواح فيرفض أصلاً أن يُسمّي النهاية هزيمة، ويرفض صراحةً أن يكون الخلاص في “خلود الذكر الفردي”، ويضعه في الفعل الحر الخلّاق ومع الآخرين ومن أجل الجميع، في الحكمة والحضارة، وفي قبول الموت شرطاً لحب الحياة. وفي حين يرى باقر في الملحمة مأساةً أزليةً لا تُحلّ، ولكن يُخففها المجد، يرى السواح معنىً تم العثور عليه: جلجامش لم ينهزم، بل انتصر لحياةٍ وجد فيها المعنى. وتتلخص النظرتين في أن باقر يقرأ الملحمة كمرثية للشرط الإنساني، أما السواح فيقرؤها كبشارةٍ بولادة الفرد الحر.

وكذلك في تفصيلٍ لطيف: يذكر باقر إنكيدو والمرأة والكاهنة في سياق القصة والمجتمع العراقي القديم كما هم، أما السواح فيحولهم إلى نظرية في ميلاد الحضارة والفرد. باقر يخبرك أن أم جلجامش هي الإلهة ننسون ويمضي، والسواح يبني عليها. الأول مؤرّخٌ أمين، والثاني قارئٌ جسور.

فأيهما أوثر؟ كلاهما، ولا غنى عن أحدهما. فقد وجدتُني الآن بعد أن قرأتُ أرضَ باقر الصلبة صرتُ أقدر أن أحس عمق قراءة السواح أكثر. طه باقر جعل جلجامش عربياً وأعادنا إليه من تحت التراب؛ وفراس السواح جعله مرآةً لنا. وحين عدت إلى باقر شعرت بمهابة اليد الأولى التي لمست الطين.

◆

ما يستحق أن يصل إلى بريدك

مقالة جديدة أو قراءة تستحق الوقت، من دون إغراق ولا رسائل دعائية.

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليق مفتوح للجميع بلا تسجيل. الاسم والبريد اختياريان، غير أنّ كتابة اسمك تجعل الحوار أقرب.

الصورة الرمزية لـ محمود ترابي

محمود ترابي

محامٍ ومستشار قانوني فلسطيني وكاتب. يكتب في الأدب والأسطورة والأديان والفكر والخيال، ويبحث عن الصلات التي لا تظهر من النظرة الأولى.

عن ترابي · الموقع المهني · فيسبوك

المقالة الأقدم