في ذكرى صديقٍ خفّف عني فاجعته
قبل عشر سنوات كتبتُ نصاً قصيراً عن صديقٍ اسمه عز الدين عفوري1، كنتُ يومها في مقتبل العشرين، وكان الحبرُ الذي أكتبُ به غاضباً، وكان في الغضب عزاءٌ ما. قلتُ في ذلك النص إن السرطان لا أنواع له، وإنه واحدٌ لا يقبل القسمة، وإن صديقي حين طمأنني بأن سرطانه «من النوع الخفيف» كان مخطئاً في وصف ما يحمله بين ضلوعه.
ثم مات صديقي.
واليوم، وأنا أُعيد قراءة ما كتبه ذلك الشاب الذي كنتُه، لم أعد واثقاً من أنني كنتُ أُحاكم المرض، أظنني كنتُ أُحاكم جملة، وأظن أن الجملة قد ظُلمت.
في اللغة العربية بابٌ اسمه التصغير؛ يقول النُحاةُ إن العرب صغّروا الأسماء لأغراضٍ متعددة: التقليل، والتحقير، والتحبيب، وتقريب ما بَعُد من زمانٍ أو مكان. ولطالما أدهشني أن اللغة استعملت الصيغة نفسها للحبيب وللحقير؛ فـ «بُنَيّ» تصغير حنان، و«رُجَيل» تصغير ازدراء، والوزن في الحالين واحد. كأن أهل اللغة فهموا مبكراً أن التصغير ليس حكماً على الشيء، بل هو موقف المتكلم منه؛ فأن تُصغّر شيئاً يعني أنك قررت أن تحمله.
و«بسيطة» ليست تصغيراً في الصرف، لكنها تصغيرٌ في المعنى، وهي على كل حال أشهر ما نقوله في هذه البلاد حين يعجز الكلام.
لم يكن بوسع صديقي أن يُصغّر الورم، فصغّر الكلمة؛ لم يكن يملك من أدوات الجرّاح شيئاً، وكان يملك اللغة وحدها، فأجرى بها عمليته الوحيدة الممكنة: استأصل من الجملة ثقلها، وأبقى على خبرها.
وهذا ما يفعله البشر منذ عرفوا الكلام؛ نُسمي الميت راحلاً، والقبر مثوىً، والهزيمةَ نكسة. لا لأننا نجهل، بل لأن في اللسان رحمةً لا تملكها الحقيقة، فالحقيقةُ تقول ما هو كائن، واللغة تقول ما نستطيع أن نحمله مما هو كائن.
أعود إلى المشهد كما دوّنته يومها: ارتجفت شفتاي، فسكتُّ ونظرتُ إليه، ثم – بعد ذلك بالضبط، لا قبله – قال: «بسيطة يا زلمة، ما في شي بخوّف». والترتيبُ هنا هو كل شيء؛ لم تكن الجملة جواباً على سؤالي، كانت جواباً على وجهي.
هذا ما لم أفهمه وأنا في الثانية والعشرين، أن المريضَ كان يُعزّي الصحيح، أن الذي في يده أشهرٌ معدودة وقف في ذلك اليوم يُهدّئ رَوْعَ الذي في يده عمرٌ كامل، لقد قلبَ اقتصادَ الشفقة كله رأساً على عقب، ولم ينتبه أحدنا. أو ربما هو انتبه، أو ربما كان هذا ما قيل له، أو ربما كان مصدقاً لما قال. رحل صديقي ولم يترك لي سوى أن أُخمّن، وأعقد صداقة مع «ربما» وأنا أحاول أن أفهم ما جرى ذلك اليوم.
تقول الفلسفةُ عادةً إن حديثنا اليومي عن الموت هروبٌ منه؛ فقد رأى هايدغر أن الإنسان يلوذ بضمير «هم» فيقول «يموت المرء» ليجعل الموت حدثاً يخص الآخرين ولا يخصه2؛ غير أن ما جرى في ذلك اليوم كان معكوساً تماماً: صديقي لم يُخبئ موته عن نفسه، خبأه عني أنا، أو ربما كان متعلقاً بقشة، كان يرى بصيص أمل، ربما!
وحين أعود إلى أقدم ما كتبه الإنسان في الفقد أجد الأمر مقلوباً على النحو ذاته: في ملحمة جلجامش3 يموت إنكيدو، فلا ينهار الميت، بل ينهار الحي. جلجامش هو الذي يهيم في البرية، وهو الذي يرفض أن يُسلّم صاحبه إلى التراب؛ فالموتُ لا يُصيب صاحبه وحده، الموتُ مصيبةُ من بقي. ولذلك ربما كان صديقي مُصيباً حين أراد أن يُخفف عني أكثر من أن يواسي نفسه.
قال يومها «السرطان اللي عندي من النوع الخفيف»، فغضبتُ من الكلمة عشر سنوات. واليوم أُقلّبها بين يديّ فأجدها ذات وجهين، فالخِفةُ في لساننا مديح: خفيف الظل، خفيف الدم، خفيفٌ على القلب؛ وفي ميزانٍ آخر، الخِفةُ هي الخسارة بعينها: «وأمّا من خفّت موازينه»4؛ فالكلمةُ نفسها تصعد وتهبط بحسب الكفّة التي تُوضع فيها، ولا ذنب لها في ذلك.
وفي التنزيل ما هو أعجب: تُصغَّر الدنيا كلها في كلمة واحدة، «قل متاعُ الدنيا قليل»5، فإذا كان الأصلُ في هذه الدار أن تكون قليلة، فما وجه العَجَب أن يصف رجلٌ ما ينهشه فيها بأنه بسيط؟ لعله لم يكن يُنكر مرضه؛ لعلّه كان – من غير أن يقصد – يُجري النحوَ الذي أُنزل عليه: صغّر الدنيا وما فيها ليتسع ما بعدها.
كانت بيني وبين عز الدين نبوءةٌ ووصف. أنا تنبأتُ له بمستقبلٍ لامعٍ في المحاماة وقلتُ له إني أراه محامياً شرساً؛ وهو ضحك يومها ووصفني: «شكلك يا ترابي قد ما بتفكّر وبتتخيل، بتزهق من حالك وبتصير تفكر في الناس وتتخيل في حياتهم». وقتها لم أكن قد سبق لي أن فكرت في الوصف حقاً؛ ففكرت، وكان حقاً.
مرّت عشر سنوات، صرتُ محامياً، وصرتُ أكتب. نبوءتي عنه دُفنت معه يومَ مات، أما وصفه لي فيتحقق كل صباح: ما زلتُ أفكر وأتخيل، وما زلتُ أنشغل بحيوات الناس أكثر من انشغالي بحياتي، وأتساءل: كيف يعيشون؟ كيف يفكرون؟ ممَ يخافون؟ ممَ يهربون؟ كيف ينظرون الى الأشياء والأفكار والأحداث؟ أمثلي أم بطريقة أخرى؟ ما الذي يجعل الانسان متفرداً عن غيره؟ وكيف تلوّن البيئة طباع الناس؟ …
وما زلت حتى اليوم لا أعرف أيهما أثقل على القلب: أن تُخطئ نبوءتك في صديق، أم أن يُصيبَ هو في وصفك وصفاً تحمله معك بقية العمر.
يخطر لي أحياناً أن في المهنة التي أمارسها مقعداً فارغاً كان له، وأن ما أراه اليوم من قاعاتٍ وملفاتٍ وخصوماتٍ كان يُفترض أن يراه عز الدين أيضاً. لكني أعرف أن هذا نوعٌ من الشعر إن لم يكن من التمنّي؛ فالحياة لا تُوزِّع أنصبةً، ولا تحفظ لأحدٍ مكاناً.
كنتُ مخطئاً وأنا في الثانية والعشرين، لا في الطب، بل في الأدب. ثمة نوعٌ خفيفٌ فعلاً، غير أنه ليس نوعاً من السرطان، بل نوعٌ من الكلام.
«بسيطة» ليست كذبة، إنها سقيفةٌ تُرفع على عجلٍ فوق رأس من فاجأته الشمس، لا تُطفئ الشمس ولا تدّعي ذلك، وغايتها الوحيدة أن يُتاح لذلك الواقف أن يقف دقيقةً في الظل حتى يلتقط أنفاسه. أما الكلامُ فلا يشفي أحداً، لكنه أحياناً يُبقي الواقفَ واقفاً. وليسَ هذا باليسير.
عليك الرحمة يا عز الدين.
ما زلتُ أفكر وأتخيل كما وصفت، غير أني هذه المرة لا أتخيلك محامياً شرساً أو بارعاً في قاعةٍ ما، بل أتخيلك واقفاً في ذلك اليوم، تنظر إلى وجه شابٍ ارتجفت شفتاه ولم يُحسن أن يقول شيئاً، فتُقرر – وأنت الأولى بالرحمة – أن تُخفّف عنه.
- النص الأصلي: «السرطان اللي عندي من النوع الخفيف!!»، منشور بتاريخ 26 يوليو 2016. ↩︎
- الوجود نحو الموت: مفهوم مركزي عند مارتن هايدغر في كتابه «الوجود والزمان»، ويقترن عنده بمفهوم «هُم»، أي الذات الجمعية المجهولة التي يذوب فيها الفرد فيتحدث عن الموت بوصفه شأناً عاماً لا يخصه. والقراءة المعكوسة الواردة أعلاه هي قراءتي لا قول هايدغر. ↩︎
- ملحمة جلجامش: أقدم نص أدبي مكتوب، وصلتنا في نسخة بابلية قياسية على اثني عشر لوحاً. يُعدّ رثاء جلجامش لإنكيدو في اللوح الثامن من أقدم نصوص الرثاء في تاريخ الأدب. ↩︎
- سورة القارعة، الآية 8. ↩︎
- سورة النساء، من الآية 77 ↩︎

أضف تعليقاً