محمود ترابي

كتابةٌ تعبر الأدب والفكر والأسطورة وما يجاورها.

مراجعة رواية: أرجوك اعتنِ بأمي – كيونغ-سوك شين

حجم النص
غلاف رواية أرجوك اعتن بأمي للكاتبة الكورية كيونغ سوك شين

امرأة تضيع في محطة قطار، ومن هناك تبدأ الرواية، ثم تنصرف الحادثة سريعاً عن نفسها إلى ما هو أشد وطأة: اكتشاف الأبناء أنهم لم يعرفوا أمهم وهي بينهم. الغياب يعمل عمل الضوء القاسي، يكشف أن القرب الجسدي قادر على التعايش مع جهل عميق برغبات الشخص وتاريخه وتعبه. ولهذا لا تقف الرواية عند الحزن على أم واحدة، إنما تدفع القارئ إلى مراجعة رؤيته لمن يقومون بالأدوار اليومية حتى يختفوا داخلها.

هي دعوة إلى النظر في علاقتك بمن حولك، أمك وسواها ممن يقربون منك، وإلى أن تعرفهم أكثر وتقدّر وجودهم في حياتك. وتُفهمك جيداً أن أقربهم إلينا سيرحلون يوماً، ربما فجأة، ويختفون تماماً، فلا نعود قادرين على قول ما لطالما أردنا البوح به، ولا نملك فرصة للاعتذار عن أخطائنا بحقهم، ولا فرصة لنشاركهم كوب شاي.

أما البناء السردي فجميل ومنتقى بعناية. لا أرتاح عادة لصوت الراوي الذي يخاطب الشخصيات، فهو يثير لديّ إرباكاً ويضعني في دوامة البحث عنه: من هو؟ وما علاقته بالشخصيات؟ غير أن اختياره هنا كان ضرورياً وملائماً للفكرة. حين تقول الرواية للشخصية «أنت» يبدو الصوت كأنه ضميرها الذي وصل متأخراً، فتقل المسافة بين التذكر والاتهام، ويُمنع كل واحد من رواية نفسه ببراءة.

وتميل الرواية أحياناً إلى دفع العاطفة بقوة أكبر مما تحتاجه المشاهد، وقد يشعر قارئ بأن الذنب موزّع بصورة مباشرة. وأفضل لحظاتها التفاصيل الصغيرة: الطعام الذي لم نسأل إن كانت الأم تحبه، والحلم الذي لم نعرفه، والعمل المنزلي الذي افترضناه طبيعةً فيها لا جهداً منها.

وتضعك أمام سؤال كبير: هل كان الأمر ليختلف لو أن الأم ماتت بدل أن تضيع فجأة؟ ومنه تنبثق عشرات الأسئلة، من صلب الرواية ومن صلب حياتك أنت: ما أكلة أمي المفضلة؟ ماذا حلم أبي أن يكون حين كان صغيراً؟ هل أحبت أمي عمل المطبخ؟ وتمتد الأسئلة بلا نهاية.

«هل كنا أبناءً صالحين؟» سؤال أسهل مما يبدو، لأننا نجيب عنه بحكم عام ثم نستريح. الأصعب منه: ما الذي لا أعرفه الآن عن أقرب الناس إليّ، وما الذي يمكن أن أسأله قبل أن يصير السؤال مستحيلاً؟ عند هذا الحد تتحول الرواية من حكاية فقد إلى فعل قراءة للحياة.

ما يستحق أن يصل إلى بريدك

مقالة جديدة أو قراءة تستحق الوقت، من دون إغراق ولا رسائل دعائية.

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليق مفتوح للجميع بلا تسجيل. الاسم والبريد اختياريان، غير أنّ كتابة اسمك تجعل الحوار أقرب.

الصورة الرمزية لـ محمود ترابي

محمود ترابي

محامٍ ومستشار قانوني فلسطيني وكاتب. يكتب في الأدب والأسطورة والأديان والفكر والخيال، ويبحث عن الصلات التي لا تظهر من النظرة الأولى.

عن ترابي · الموقع المهني · فيسبوك